داريا اسم قديم أصيل، يُقال إنّه مشتق من كلمة سريانية تعني الدار أو المكان المسكون، فيما تشير بعض المصادر الأخرى إلى أنّه يعني الدور الكثيرة أو المكان الكثيف الأشجار. وهذا المعنى ينسجم مع طبيعة داريا الغنّاء التي عُرفت عبر العصور ببساتينها وأنهارها وظلالها الوارفة.
وبحسب آخر إحصاء سكاني رسمي عام 2010، بلغ عدد سكان مدينة داريا نحو 250 ألف نسمة، منهم حوالي 150 ألفًا من أبناء المدينة الأصليين، فيما شكّل ما يقارب 100 ألف من الوافدين إليها، معظمهم من مدينة دمشق والمناطق المجاورة، ما أضفى على داريا طابعًا متنوعًا ومميزًا في نسيجها الاجتماعي.
وتشير بعض المصادر التاريخية إلى أن داريا تعود إلى ما قبل الميلاد، ويرتبط وجودها بوجود دمشق التي تُعد أقدم عاصمة في التاريخ. وكان موقعها إلى الجنوب من مقام ومسجد عبد الرحمن العنسي المعروف بـ “أبي سليمان الداراني” (ما يعرف بـ أرض حلاش). كما يوجد فيها مقام أو قبر النبي حزقيل كما يروى. ويذكر أن عبد الله بن ثوب المعروف بـ أبي مسلم الخولاني قدم إلى داريا بعد الفتح الإسلامي، واستقر فيها لوجود قبيلة بني خولان اليمنية التي سبقت الإسلام إلى الاستيطان في داريا، والمتوفي سنة 62 هـ.

مسجد أبو سليمان الداراني
كانت داريا معقلاً للغساسنة حتى جاء الفتح الإسلامي بقيادة أبي عبيدة عامر بن الجراح عام 635م، فدخلها ضمن الغوطة الغربية، وكانت يومها أكبر قرى أهل اليمن في غوطة دمشق وأقاليم الشام. ومنذ ذلك الحين تأثرت داريا بمعظم الأحداث التي مرّت على الحكم الأموي والعباسي وما جرى خلالهما من أحداث سياسية وعسكرية، وخاصة منازعات الخلافة، بحكم أن سكانها من القبائل اليمانية، وعلى رأسها قبيلة خولان.
أحداث وفتن عبر العصور
لم يسلم تاريخ داريا من النكبات والاضطرابات. ففي عصر هارون الرشيد اندلعت فتنة القيسية واليمانية أو ما عُرف بفتنة أبي الهيذام، فحرقت داريا ونهبت. وفي عام 233هـ ضربها زلزال شديد، ثم شهدت صراعات الأتابكة والسلاجقة في عامي 416هـ/417هـ. كما تعرضت للغزو الصليبي عام 543هـ، ثم اجتاحها التتار عام 699هـ مخلّفين الخراب والدمار.
ورغم هذه المحن، بقيت داريا تنهض من جديد، محافظة على مكانتها كبلدة زراعية خصبة وساحة للتفاعل الاجتماعي والثقافي.
داريا ومعركة النضال ضد الاحتلال الفرنسي
مع بدايات القرن العشرين، لم تكن داريا بعيدة عن مسار النضال السوري. ففي عام 1926 وقعت فيها معركة داريا الكبرى، حيث اجتمع في داريا عدد من قادة الثورة السورية، منهم الأمير عز الدين الجزائري والشيخ محمد حجازي، مع نحو خمسة وخمسين مجاهدًا بينهم أبناء داريا. اشتبكوا مع القوات الفرنسية يوم الأحد 10 كانون الأول 1926، في مواجهة بطولية رسخت اسم داريا في ذاكرة الثورة السورية الكبرى.
الجغرافيا والبساتين
من الناحية الجغرافية، أرض داريا سهلٌ خصب معطاء، لا تعرف الوعورة، ومكسوة بالبساتين والأشجار المثمرة التي تظلّل الطرقات حتى تحجب نور الشمس. كانت مياه نهر الأعوج من الغرب ونهر بردى من الشرق تلتقي في أراضيها لتروي حقولها وتمنحها الخصب والوفرة. ومن بين خيراتها الكثيرة اشتهر عنب داريا الذي لم يعرف الناس أشهى ولا أطيب منه، حتى أصبح رمزًا للمدينة وسمعة طيبة ذاعت في كل الديار.
الحياة الاجتماعية والتعليم
كان أهل داريا أبناء الأرض يزرعونها بأيديهم ويبيعون محاصيلها في أسواق دمشق. حياتهم بسيطة، تعتمد على الزراعة والصبر، ولم تعرف الكهرباء طريقها بعد، بينما اقتصرت وسائل النقل على الدواب والدراجات الهوائية.
أما التعليم، فكان محدودًا للغاية، اقتصر على مدرسة ابتدائية واحدة وبعض الكتاتيب، حيث تلقى الأطفال مبادئ القراءة والكتابة على أيدي مشايخ محليين. وبسبب قلة المدارس، انتشر الجهل بين الشباب، مما جعل الحياة الثقافية متواضعة مقارنة بحجم البلدة.
التنوع الديني والنسيج الاجتماعي

صورة من الأرشيف العثماني لمدينة داريا 1912
عرفت داريا تنوعًا سكانيًا ودينيًا، فقد ضمت في حارتها الجنوبية بيوتًا للمسيحيين التفوا حول كنيستين قديمتين. عاشوا مثل جيرانهم المسلمين، يلبسون مثلهم ويعملون معهم في التجارة والنجارة. وقد احتضنت إحدى الكنائس مدرسة ابتدائية أسسها الفرنسيون خلال الانتداب قبل أن تُنقل لاحقًا إلى بناء جديد نتيجة مطالب الأهالي. هذا التعايش أعطى المدينة طابعًا فريدًا من الانفتاح ضمن محيطها الريفي.
النفوذ الإقطاعي والوجهاء
كما في بقية الحواضر السورية، كان في داريا عدد من المخاتير والوجهاء. غير أن النفوذ الأكبر ارتبط بـ عائلة البكري الدمشقية، التي امتلكت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية. وكان عميدها أنور البكري شخصية إقطاعية نافذة، تولى جمع الضرائب للعثمانيين، واحتفظ بمكانته في العهد الفرنسي، مما جعل الفلاحين يحسبون له كل حساب.
إن تاريخ داريا يكشف عن مدينة متجذرة في الأرض والتاريخ، اجتازت الفتن والزلازل والغزوات، وظلت حاضرة في النضال الوطني. فهي مدينة البساتين والأنهار، ومدينة التنوع الاجتماعي، ومدينة المقاومة ضد الاحتلال.
داريا ليست مجرد بلدة في الغوطة الغربية، بل هي شاهد حي على صراع الأرض والإنسان عبر العصور، وصورة من صور التاريخ السوري العريق.
للتوسع في الجانب التاريخي عن داريا، يمكن العودة إلى المصادر والدراسات المتخصصة بتاريخ الغوطة وريف دمشق،
1- المعجم الجغرافي المجلد الثالث .
2- خطط الشام – محمد كرد علي .
3- غوطة دمشق – محمد كرد علي .
4- دمشق في العصر الأيوبي – محمد ياسين الحموي .
5- تاريخ السلاجقة في بلاد الشام – أحمد محمد علي اسماعيل .
6- الكامل بالتاريخ – ابن الأثير جزء /9/ .
7- تاريخ مدينة دمشق – ابن عساكر .
8- تاريخ الطبري .
9- أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم – محمد بن أحمد المقدسي .
10- تاريخ داريا – عبد الجبار الخولاني .