المهن

منذ أن خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان واستخلفه في الأرض وهو يسعى للعمل وكسب الرزق ولقمة العيش فأخذ يبتكر وسائل وطرق يستعين بها على البقاء والاستمرار منذ آدم الذي علمه الله سبحانه وتعالى الأسماء كلها وقال:)وعلم الإنسان ما لم يعلم ( فمن خلال مسيرة الكائن البشري على هذه الأرض والمهن والصنائع تتطور وتتعدد على جميع مستويات الحياة العامة التي يحياها الإنسان حتى وصلت إلى ما وصلت إليه الآن من تقدم وتطور في خدمة الإنسان فإن هذا التقدم والتطور العلمي يحكمه شرع الله الذي ارتضاه لعباده كان به الخير العميم وإن كان غير ذلك لا تحكمه أخلاق ولا قيم فإنه يشكل خطراً ووبالاً على البشرية جمعاء وهذا ما نرى آثاره من خلال التقدم الحضاري المتحلل فأصبحت الظواهر السلبية تظهر بما أفسدته اليد البشرية الغير منضبطة بضـابط )أن ليس بالإنسان إلا ما سعى . وأن سعيه سوف يرى ( [النجم:38-39] . فالمهن و الحرف سواء مازالت سائدة أو بادت في مدينة داريا لا بد لها من أصل وقواعد وأعراف ومن المهن التي نتعرض لها هي مهنة الحلاقة :

 1- الحلاق :

         منذ نشأة الإنسان كان بحاجة للشعر الذي يغطي جسده   كي تحميه من البرد ومع تطور الحياة البشرية من لباس وغيره أخذ يفكر بالتخلص من الشعر في بعض أنحاء جسده مثل الرأس خاصة فوجدت حلاقة أو قص الشعر الزائد الذي أخذ أناس يختصون به حتى أصبحت مهنة يمتهنها البعض ويطلق عليه اسم حلاق أو في بعض المناطق بالمزين حتى نجد على الغالب من كني بمهنته التي يلقب بها وتحول اللقب إلى كنية مثل الحلاق والنجار الحداد والسقا .

وذكر الحلق في القرآن الكريم حيث قال تعالى في كتابه العزيز : ) لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله أميين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون … ( [الفتح :27] . ومن مناسك الحلق قال تعالى : ) وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم مما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله… ( [البقرة:96].

         فالحلاقة بداريا قديمة بقدم داريا وليس للحلاق مهنة واحدة يمارسها من خلال تلك المهنة فهو طبيب الأسنان وعادة ما يقوم بقلع السن أو الضرس بآلة تشبه الكماشة وتسمى أحياناً بالعامية ( كلبة ) وكذلك الختان للأطفال أو ما يعرف بالطهور ولا يزال أحد الحلاقين بداريا ويدعى عبدو بن عبد المجيد الحلاق المكنى بأبي ماجد يمارسها إضافة لمهنة الحلاقة التي ورثها عن أبيه وجده .

وكذلك تطبيب العيون بواسطة دودة العلق والإسعافات الأولية للجروح من تضميد وخياطة وكذلك الحجامة من خلال استخدام كؤوس الهواء وشطب المكان المحدد للحجامة وغسيل الأذنين إلا أن هذه الأعمال التي كان يقوم بها الحلاق بادت وانقرضت ولم يبق منها إلا عند البعض القليل ممن يمارس مهنة الختان لجانب الحلاقة أما أجر الحلاق فقد كان في الماضي زهيداً جداً وإما أن يكون نقدياً أو عينياً أو من العام إلى العام الذي يليه أي سنوياً .

يعتمد الحلاق على الأدوات البسيطة كالمقص والموس الذي يشحذ بواسطة قشاط جلدي مع قليل من الزيت وهو شبه منقرض فأصبحت محلات الحلاقين فاخرة ومرئية وتعتمد على الأدوات الحديثة الكهربائية والعطورات المتنوعة وعلى غير ذلك مما نعرفه .

الصباغ :

         اهتم الإنسان بمظهره منذ عرف اللباس والله سبحانه وتعالى علم الإنسان ما لم يعلم وقيل الحاجة أم الاختراع وهذا الشمندريد جريس خوري بدرة تولد 1911م راعي كنيسة الروم الأرثوذكس بداريا كان يمارس مهنة صبغ الثياب مع شقيقه خليل بـدرة المتوفي عام 1925م مستخدماً أواني حجرية – جرن  – لا تزال موجودة لديه حتى الآن وعاينتها من خلال زيارتي له ، يوضع الثوب المراد صبغة بالجرن لمدة نصف ساعة بعد إضافة مواد الصبغة التي كان مصدرها من الهند وهي عبارة عن ألواح متحجرة تملأ بالماء بأجران فخارية قبل وضعها على الثوب ضمن مقادير محددة وبعد النقع يخرج الثوب وينشر على الحبل ليجف ومن ثم يطوى ليعاد إلى أصحابه لقاء أجر معين وكان الوحيد الذي يمارس تلك المهنة بداريا منذ بداية حياته .

العزاق أو العازوق :

         مهنة كانت سائدة في القرن الماضي وهي ما تعرف بالرفاس وهذه المهنة من المهن الموسمية ما بين شهري نيسان وأيار من كل سنة يقوم صاحب الأرض المزروعة بدوالي العنب أي العرائش باستئجار عدد ممن الأشخاص يمتهنون تلك المهنة بعزق الأرض ما بين عرائش العنب بواسطة المر والمر هو عبارة عن مثلث حديدي رأسه إلى الأسفل وقاعدته للأعلى ينتهي بعصا بطول متر ونصف شبيه جداً بالكريك تنقلب به التربة بدلاً من الفلاحة لتهوية التربة وإتلاف الأعشاب .

         يبدأ العمل منذ الصباح الباكر قبل بزوغ الشمس وعادة ما يكون أكثر من شخص يعملون بحقل واحد وينتهي العمل ظهراً أي ما يقرب من الساعة السادسة صباحاً حتى الثانية عشرة ظهراً وفي الأربعينات من القرن الماضي كان يتقاضى العازوق أجراً عشرة قروش سورية ويعقبها فترة العصر أو ما يعرف بالعصرية تبدأ من أذان العصر حتى المغيب وأجرها غالباً ما يكون على الساعة وهو قرشين على الساعة الواحدة وآخر يوم عمل يقوم صاحب الأرض بتقديم وجبة الطعام التي تسمى جورعة وهي أكلة المجدرة مع المخلل إلا أن طعام العازوق يكون على نفقته الخاصة إلا في اليوم الأخير فهو على صاحب الأرض وهناك أرجوزة يرتجزها العازوق على لسان عامل كان يعمل على نول نسيج فيقال:

شاروا عليّ العوازل
حرر حوالي الدوالي
من شدة التعب يقول لهم : أكل الهوى على النول

  وقال اشترلك مر
وخلي العنب يحمر

ولا أكل العسل على المر

         وغالبية المجتمعات الزراعية والريفية تشارك الرجل في العمل مع المرأة جنباً إلى جنب في داريا كان هناك نساء عاملات في هذا المجال يطلق عليهن المعشبات .

المعشبات :

         هذه المهنة خاصة ومحصورة بالنساء فقط وتلك النسوة يقمن بتعشيب المزروعات من قمح وغيره من الزراعات التي كانت تزرع بأراضي داريا وهي عملية نـزع وإزالة الأعشاب الضارة ويتم عمل المعشبات منذ طلوع الشمس حتى المغيب بأجر قدره أربعون قرشاً سورياً لكل امرأة إذا كان تقديم الطعام على صاحب الأرض إما إذا كان الطعام على حساب المعشبة فيكون الأجر خمسين قرشاً سورياً .

وإضافة إلى التعشيب هناك عملية أخرى كذلك خاصة بالنساء هي النكش وخاصة للمزروعات الصيفية منها والأجر شبه متساوي ويتم استقدام العاملات للأرض من قبل صاحب الأرض ونتيجة الاتفاق بينهما وواسطة النقل إما سيراً على الأقدام أو استخدام الطنبر أو ما يعرف بداريا  بالكراجة ولا تزال تستخدم هذه الوسيلة حتى الآن إلا أنها على نطاق ضيق جداً إلا أن هذه المهن انقرضت لعدة أسباب منها استخدام الفلاح للآلات الرزاعية الحديثة ومبيدات الأعشاب وثانيها تقلص الأراضي الزراعية بداريا بسبب الجفاف من جهة وبسبب التوسع العمراني الرهيب الذي التهم الأراضي الزراعية .

ومن المهن المنذذقرضة : استئجار البيادر ودرس القمح والشعير وصناعة اللبْن والدك وسياج الكروم (تسويرها بأغصان الأشـجار أو ببناء الـدك وكراية الأنهار ..) .

error: غير مسموح بنسخ أو نقل المحتوى!