في 20 آب 2012، الموافق 2 شوال، ثاني أيام عيد الفطر، بدأت الحملة الشرسة على مدينة داريا. انطلق القصف من المناطق الغربية (فشوخ) في الساعة السابعة صباحاً، وامتد ليشمل كافة أنحاء المدينة.
تركز القصف على إطلاق قذائف هاون شديدة الانفجار، بمعدل قذيفة كل خمس دقائق في البداية. تصدى الجيش الحر لهذه الهجمة، ومنع قوات نظام الأسد من دخول المدينة من جهة شمال غرب داريا.
في الساعة السادسة مساءً من نفس اليوم، انتقل القصف إلى المناطق الشرقية من المدينة باستخدام المدفعية الثقيلة. أسفرت أول قذيفة عن سقوط ثلاثة شهداء وعدد من الجرحى، إلى جانب دمار كبير.
أحد المتواجدين في المنطقة، ممن كان يساهم في إسعاف الجرحى، وصف المشهد قائلاً:
“كنت أتجول بين المصابين لإنقاذ أحد الجرحى بعد اتصال يفيد بوجود إصابات عديدة إثر قذيفة سقطت قرب أحد المساجد. كانت قذائف الهاون تتهاوى من كل حدب وصوب. أغلب شهداء مدينتي سقطوا نتيجة هذه القذائف. وعندما وصلت إلى طريق الكورنيش القديم، وجدت دبابات وناقلات جند من طرازات مختلفة، إلى جانب أسلحة لم أعرفها رغم خدمتي العسكرية في جيش النظام. كان ذلك ثالث أيام العيد. وصلت إلى المكان المستهدف، وكان المشهد مرعباً: ركام هائل وقصف مكثف. الحي كان مليئاً بالنازحين من المعضمية، الذين لم يسلموا من همجية النظام. فقدت عائلة بأكملها حياتها في ذلك اليوم، أم وأربعة أطفال. الإصابات كانت بليغة؛ شظايا في كل مكان، وأخرى بترت أطرافاً، مشاهد لا يتحملها إنسان. روائح الموت والدمار كانت تملأ الأرجاء. البيوت دُمرت على ساكنيها، وأخرى هُدمت بقذائف الدبابات والصواريخ. أما اجتماعياً، فكانت الإشاعات تزيد من الهلع، حيث انتشر بين الناس أن الشبيحة سيعيثون فساداً ويحرقون الأخضر واليابس.”
استمرار القصف والمقاومة
استمر القصف، موقعاً المزيد من الشهداء والجرحى بين المدنيين، حتى يوم الجمعة 24 آب. حاولت قوات الأمن التقدم إلى المدينة من جهة الدوار والدحاديل في الأطراف الشرقية، لكن جميع محاولاتهم باءت بالفشل نتيجة المقاومة الشديدة التي أبداها الجيش الحر. كل رصاصة أطلقها المقاومون كانت تُقابل بثلاث قذائف دبابة.
نتيجة شدة القصف واستهداف المدنيين دون تفرقة، صدرت أوامر للجيش الحر بالانسحاب يوم الجمعة 24 آب 2012 في تمام الساعة 12 ظهراً، حفاظاً على أرواح المدنيين. واستمر القصف حتى الساعة الرابعة عصراً من نفس اليوم.
دخول القوات النظامية وارتكاب المجازر
في الساعة 12:30، أي بعد انسحاب الجيش الحر بنصف ساعة تقريباً، دخلت تعزيزات من طريق دمشق-داريا (طريق الدحاديل) ومن طريق المعامل (داريا الشرقية). تم اقتحام المدينة من المحور الشرقي بقيادة إدارة المخابرات الجوية، ومن الجهة الجنوبية (صحنايا) ومن الجهة الشرقية (بساتين داريا) بقيادة الحرس الجمهوري. بعد ذلك، تبعتهم الفرقة الرابعة، الفوج 555. بلغ عدد عناصر الحرس الجمهوري والمخابرات الجوية المشاركين في العملية نحو 15,000 جندي، في حين كان تعداد عناصر الفوج 555 التابع للفرقة الرابعة بين 400 و500 عنصر.
تميز عناصر الفوج 555 بارتداء شارات صفراء وحمراء على الكتف الأيسر، وهم الذين ارتكبوا أبرز الجرائم والمجازر في المدينة. بدأوا بتمشيط المنازل، مترافقاً مع قصف عنيف وإطلاق نار من أسلحة الشيلكا على الأبنية السكنية، بالإضافة إلى تمهيد مدفعي مكثف بمعدل ثلاث إلى خمس قذائف في الدقيقة. استخدمت الجرافات لتدمير المنازل، بينما أجبروا المدنيين على أن يكونوا دروعاً بشرية أثناء تقدمهم.
مصير الأهالي خلال أيام مجزرة داريا
مع اشتداد الحصار وتصاعد القصف، انقسم أهالي داريا إلى ثلاثة أقسام: قسم اضطر للنزوح خارج المدينة هربًا من الموت، وقسم احتمى بالملاجئ والأقبية باحثًا عن أمان مفقود، بينما آثر البعض البقاء في منازلهم رغم المخاطر المحدقة.
في هذه الأثناء، اجتاحت القوات المهاجمة المدينة، فنهبت المحلات التجارية والمنازل، وأضرمت النيران في البيوت التي هُجِّر أهلها مستخدمة مواد حارقة تشتعل لفترات طويلة، ما أدى إلى تدمير الأرضيات والجدران. أما المسروقات الثقيلة، فكانت تُجمع وتُحرق في الساحات العامة، وكأنها رسالة ترهيب لمن تبقى على قيد الحياة. لم تسلم المنازل التي بقي أهلها فيها، إذ تعرض بعضها للتفتيش، بينما قُتل سكان بعضها الآخر بدم بارد.
ومع حلول الليل، استوطن عناصر الشبيحة المنازل التي أُفرغت من أهلها، محولين نوافذها إلى نقاط قنص، يترصدون كل حركة في الخارج، ليُسقطوا برصاصهم كل من حاول الفرار أو البحث عن مأوى.
مجزرة مسجد أبو سليمان الداراني
في صباح يوم السبت، استيقظ الأهالي على سحب دخان كثيف تغطي سماء المدينة، نتيجة حرق المنازل التي مروا عليها أو مكثوا فيها. تزايدت التقارير عن جثث المقنوصين ليلاً وفي ساعات الصباح الأولى.
وفي حوالي الساعة 10:30 من صباح السبت، 25 أغسطس 2012، انتشرت حالة من الذعر والحزن الممزوجة بمشاعر لا توصف. الموت كان يسود المشهد بشكل شامل، والجثث كانت منتشرة في المزارع وعلى الطرقات، وكأنها امتداد طبيعي لظلال الموت التي غطت المدينة.
خلال هذه اللحظات، وقعت مجزرة مسجد أبو سليمان الداراني، حيث قامت عناصر من الفرقة الرابعة بإعدام 74 شخصاً في الملجأ، شملوا أطفالاً وشباناً وشيوخاً. كما تم إعدام نحو 20 امرأة داخل المنازل فوق الملجأ.
استمرار المعاناة: الحصار والعزلة
استمر القصف العنيف على المدينة، مع انقطاع كامل للاتصالات والكهرباء، مما زاد من معاناة الأهالي وعزلهم عن العالم الخارجي. يوم الأحد 26 أغسطس 2012، وبعد انسحاب الفرقة الرابعة، عاد الجيش لإحكام السيطرة على المدينة، مستمرًا في حملة الترويع والتمشيط.
شهادة ناجية: وصف الأهوال
تروي إحدى الناجيات من تلك الليلة أن أهالي داريا عاشوا ساعات طويلة تحت وطأة الخوف والرعب، حيث لم يكن بإمكانهم حتى دفن شهدائهم بكرامة. كان المشهد في شوارع المدينة مؤلماً: جثث ملقاة على الطرقات، مساجد مدمرة، وبيوت أُحرقت بالكامل على ساكنيها. أما من حالفهم الحظ ونجوا، فكانوا يبحثون عن أي مأوى أو مكان يختبئون فيه، بينما تحولت الملاجئ من ملاذ آمن إلى مصيدة للموت.
البحث عن الأحبة بين الجثث
في اليوم التالي، بدأ بعض الناجين بالخروج بحذر شديد لتفقد أقاربهم وجيرانهم، يجوبون الشوارع والمزارع المحيطة بحثاً عن أحبابهم بين الجثث المتناثرة. بعضهم تمكن من العثور على جثث ذويهم، لكن التعرف على الهويات كان صعباً في ظل تشوه الجثث نتيجة القصف والحرائق. لم يكن أمامهم سوى دفن الشهداء في قبور جماعية أو في أماكن قريبة من أماكن العثور عليهم.
استمرار الحصار وغياب المساعدات
استمرت معاناة سكان داريا بعد المجزرة، حيث غابت الخدمات الأساسية، ولم تصل أي مساعدات إنسانية إلى المدينة. بينما واصل الأهالي محاولة التكيف مع الصدمة، كان كل بيت وكل عائلة تحمل قصة مأساوية جديدة عن فقدان الأحبة أو النجاة من الموت بأعجوبة.
انسحاب الجيش واستمرار المعاناة
في يوم الاثنين 27 أغسطس 2012، انسحب الجيش من مدينة داريا، تاركًا وراءه عناصر من “حفظ النظام” التابعين لعصابات الأسد، وذلك بهدف إعداد المدينة لاستقبال المحافظ، الذي زُعم أنه سيستلمها “مطهرة” من أهلها أو ممن وصفهم النظام بـ”الإرهابيين”. في الوقت نفسه، تمركزت القوات في البساتين الواقعة بين داريا والقدم، وبدأوا بإطلاق القذائف منها باتجاه القدم والعسالي، مما أضاف المزيد من المعاناة إلى تلك المناطق.

صورة تعبيرية لمقابلة آل معضماني عبر قناة الدنيا
في يوم الثلاثاء الموافق 28 أغسطس/آب 2012، واصل أهالي داريا والناجون من المجزرة اكتشاف جثث متفسخة في المزارع المحيطة بالمدينة، وفي البيوت التي دُمّرت فوق ساكنيها. ومع كل جثة جديدة، كانت تُروى مأساة تضيف فصلاً جديدًا إلى سجل المعاناة، ومن بين تلك القصص المؤلمة برزت قصة عائلة آل معضماني، التي تحولت إلى رمز لمعاناة المدنيين في تلك الحقبة المظلمة.
تكوّنت العائلة من الأب هاني معضماني، والأم من عائلة السقا، وثلاثة أبناء: بنتان وصبي. أثناء محاولته إخراج أسرته من المدينة بحثًا عن الأمان، تعرّض الأب هاني لإصابة خطيرة في رقبته جراء إطلاق نار مباشر من قبل عصابات نظام الأسد. وعلى الرغم من خطورة إصابته، نجا من الموت، بينما فارقت الأم والصبي الحياة على الفور، ولم يبقَ سوى البنتين على قيد الحياة. وفي تلك اللحظات المأساوية، ظهرت مذيعة قناة “الدنيا” الموالية للنظام لتتحدث مع إحدى الطفلتين التي فقدت أمها للتو، مستجوبةً إياها بأسلوب مستفز في محاولة لانتزاع رواية تخدم خطاب النظام، فيما كانت شقيقتها الأخرى ملقاة تنزف بجانب أمها، إلى أن قُدِّمت لها لاحقًا الإسعافات الأولية التي أنقذت حياتها.
لم تكن هذه القصة سوى واحدة من مئات القصص المشابهة التي شهدتها داريا، حيث اجتمع الموت بالخوف، والألم بالصدمة، وسط غياب تام لأي مظهر من مظاهر الرحمة أو الإنسانية في سلوك القوات النظامية.
شهادة عيان: الناجي الوحيد من عائلة قفاعة
يروي شاهد العيان الناجي الوحيد من عائلته تفاصيل ما حدث قائلاً:
“كنا في البيت عندما بدأت المداهمات، فذهبنا مع أهلي إلى جامع الرحمن. بعد فترة، عدنا لنلجأ إلى قبو بيتنا مع أبي وإخوتي وأقاربي. خلال اليومين الأول والثاني، لم يحدث شيء يُذكر. لكن في اليوم الثالث، وصلت قوات الجيش واقتحمت القبو وسألتنا: ماذا تفعلون هنا؟ فأجاب أحد الشباب: هذا ملجأ نزلنا إليه لنحمي النساء من القصف. تركونا وذهبوا.
لكن بعد حوالي ربع ساعة، جاء جنود يرتدون ثياباً سوداء ويضعون قبعات سوداء، ويحملون بنادق كلاشينكوف (روسيات). بدأوا يشتموننا ويكفرون، وسألونا: ماذا تفعلون هنا؟ قلنا: ملجأ. فقالوا: اخرجوا جميعاً. ثم بدؤوا بضربنا ضرباً مبرحاً، وأخذوا منا الهويات والجوالات. أثناء تفتيش الهويات، اتصلت ابنة عمي بأبيها، فرد عليها الضابط وشتمها بكلام جارح.
بعد ذلك، أنزلونا إلى القبو مرة أخرى، وأطلقوا النار على والدي. بدأنا جميعاً ننطق الشهادتين، منتظرين الموت المحتوم. ثم صرخ فينا الضابط: وجوهكم إلى الحائط! وبدأت زخات الرصاص تهطل علينا. تشهدت ثلاث مرات، وفي المرة الرابعة أغمي علي من أثر الإصابة. تركونا مضرجين بالدماء وذهبوا. عندما أفقت، وجدت الجثث في وضع مأساوي: جارنا فقئت عينه، وآخر قُطع جزء من وجهه، وأخي أصيب في صدره، بينما أصيب والدي بطلقين.
سمعت أصواتهم مرة أخرى، يتحدثون عن رغبتهم في القضاء على الجرحى. فقمت بسحب جثة عمي وجثة رجل آخر ووضعتها فوقي، متظاهراً بالموت. قال أحدهم للآخر: ما رأيك أن نصفهم بجانب بعضهم ونطلق النار عليهم مرة أخرى لنتأكد أنهم ماتوا؟ فأجابه الآخر: خسارة الرصاص فيهم. ثم بدأوا يتمسحون ببقع الدم ويقولون: يا حسين، يا حسين.
بعد رحيلهم، جاء قريبي عصام يحاول انتشال الجثث. ناديته قائلاً: عصام، ما زلت حياً. ثم جاء أحمد وسألني: هل تستطيع المشي أم نتركك تنزف أكثر؟ نهضت وصعدت الدرج، ونجوت بفضل الله.”
الحوار مع الشاهد
المصور: لماذا شتموكم؟
الشاهد: لا أعرف.
المصور: لماذا أطلقوا عليكم الرصاص ؟
الشاهد: بدون سبب، قالوا إنهم يبحثون عن العصابات المسلحة.
المصور: هل كان بينكم مسلحون؟
الشاهد: لا، أبداً.
المصور: هل كان بينكم مطلوبون؟
الشاهد: لا أعرف. كلنا أقرباء تجمعنا في الملجأ.
معلومات داعمة
إدارة المخابرات الجوية: تُعد واحدة من أكثر الأجهزة الأمنية التابعة للنظام السوري شراسة، وارتبط اسمها بارتكاب انتهاكات واسعة النطاق ضد المدنيين.
الفرقة الرابعة: تُعتبر إحدى أقوى التشكيلات العسكرية التابعة للنظام، يقودها ماهر الأسد، شقيق بشار الأسد، وتشتهر باستخدامها للقوة المفرطة والتكتيكات الوحشية.
مسجد أبو سليمان الداراني: كان أحد المواقع التي لجأ إليها الأهالي هرباً من القصف والموت في المنازل.
تنويه:
في الصفحة التالية مقاطع فيديو توثيقية عن المجزرة، تحتوي على مشاهد قد تكون صادمة وغير ملائمة لأصحاب القلوب الضعيفة والأطفال. نعرض هذه المواد لأغراض التوثيق فقط، ونرجو مشاهدة المحتوى بحذر.



