الرئيسية / المجلس المحلي لمدينة داريا

المجلس المحلي لمدينة داريا

في خضم أحداث الثورة السورية، وبين ركام الدمار وآلام الحصار، وُلد المجلس المحلي لمدينة داريا في تشرين الأول من عام 2012 ليكون صوتًا للمدينة وذراعها الخدمي والتنظيمي. لم يكن تأسيس المجلس حدثًا عابرًا، بل جاء استجابة لحاجة ملحّة بعد مجزرة داريا الكبرى وما تبعها من حصار خانق، حيث وجد الأهالي والثوار أنفسهم أمام ضرورة توحيد الجهود وإيجاد كيان مدني قادر على إدارة شؤون المدينة وتنظيم مواردها المحدودة.

عمل المجلس وفق نظام داخلي متكامل اعتمد على مكتب تنفيذي يدير العمل الميداني، وهيئة تشريعية وهيئة عامة، إلى جانب ثمانية مكاتب متخصصة توزّعت مهامها بين الخدمات، الإغاثة، الطب، الإعلام، العلاقات العامة، المالية، الشؤون القانونية والشرعية، الحراك السلمي، ولجان الأحياء. هذه المكاتب مثّلت قلب المجلس النابض، فكل مكتب كان يقود مهمة إنسانية أو خدمية ضمن مدينة محاصرة تنزف يوميًا.

قاد مكتب الخدمات جهود ترميم ما يمكن ترميمه من البنية التحتية وإزالة الأنقاض وفتح الطرقات البديلة، بينما تكفّل المكتب الإغاثي بتأمين الغذاء والاحتياجات الأساسية للأهالي من خلال المطبخ الميداني وتوزيع المعونات النقدية والعينية. أما المكتب الطبي فقد أسس مستشفى ميدانيًا صغيرًا بموارد بسيطة لعلاج الجرحى وإنقاذ الأرواح، في حين تولّى المكتب الإعلامي مهمة التوثيق ونقل صورة الحصار إلى العالم من خلال بيانات وتقارير يومية وحملات مناصرة للمعتقلين.

لم يكن عمل المجلس محصورًا داخل حدود المدينة فحسب، بل امتد عبر مكتب العلاقات العامة إلى دول عدة، حيث مثّل المجلس عددًا من المندوبين المعتمدين في تركيا والأردن وأوروبا، بهدف حشد الدعم وتأمين المساعدات. كما نظم المجلس لقاءات وفعاليات إعلامية لشرح واقع المدينة ومعاناتها، أبرزها المؤتمر الصحفي الذي عُقد داخل داريا في كانون الثاني 2013 رغم القصف المستمر.

على مدار سنوات عمله، شكّل المجلس نموذجًا فريدًا في الإدارة المدنية تحت الحصار؛ إذ أشرف على مشاريع زراعية لتأمين الاكتفاء الذاتي، وقام بتقنين الوقود وتشغيل المولدات، إلى جانب تطوير منظومة دفاع مدني عبر لجان الأحياء التي ساعدت السكان وقدّمت الدعم للمكاتب المختلفة.

استمر المجلس في أداء مهامه حتى آب 2016، حين فُرض التهجير القسري على المدينة بعد أربع سنوات من الحصار. ورغم مغادرة الأهالي، بقي اسم المجلس مرتبطًا بمرحلة من أبهى صور الصمود والإدارة الذاتية، إذ شكّل نقطة تحول في تجربة الإدارة المدنية داخل المناطق المحاصرة، قبل أن تُعلن آخر جلساته في تشرين الثاني من العام نفسه، ليُختتم فصلٌ حافلٌ من تاريخ داريا.