مدينة داريا لم تكن ساحة عابرة في أحداث الثورة السورية، بل تحولت إلى رمز بارز للمقاومة والصمود. فمنذ الأيام الأولى، حملت المظاهرات في شوارعها شعارات الحرية والكرامة، ثم ما لبثت أن واجهت أعتى حملات القمع والاعتقالات والمجازر. ومع استمرار العنف والقتل، وجد أهلها أنفسهم أمام تحدٍّ تاريخي، فانتقلوا من الحراك السلمي إلى المقاومة المسلحة، منظمين صفوفهم بجهود عسكرية ومدنية وإغاثية وإعلامية، جعلت من داريا نموذجًا خاصًا في الثورة السورية.
فقد تميزت المدينة بقدرة أبنائها على التنظيم رغم ظروف الحصار، إذ استطاعوا أن يؤسسوا شبكات دعم داخلي لإدارة الحياة اليومية، من إسعاف وعلاج وإغاثة وتأمين الغذاء، بالتوازي مع المقاومة المسلحة التي اعتمدت على إمكانيات محدودة جدًا في مواجهة قوات النظام المدججة بالسلاح. وبهذا التكامل بين العمل العسكري والمدني والإعلامي، نجحت داريا في الصمود لسنوات طويلة.
في صيف عام 2012، ارتكبت قوات النظام مجزرة دامية في المدينة راح ضحيتها مئات المدنيين خلال أيام قليلة، تبعها حصار خانق فرض منذ تشرين الثاني 2012 وحتى آب 2016، أي ما يقارب أربع سنوات متواصلة. خلال هذه الفترة تراجع عدد سكان داريا من نحو 250 ألف نسمة قبل الثورة، إلى أقل من 4 آلاف مدني مع نهاية الحصار. ورغم ذلك، بقيت المدينة حية بروحها، إذ زرع الأهالي القمح والخضار بين الركام، وحوّلوا البيوت المهدمة إلى أماكن للزراعة، لتأمين ما يسد رمقهم في ظل منع إدخال الغذاء والدواء.
لم يكن الصمود سهلاً؛ فقد تعرضت داريا لآلاف الغارات الجوية وعشرات آلاف القذائف المدفعية، وأُلقي عليها ما يزيد عن 9 آلاف برميل متفجر، إضافة إلى قصفها بصواريخ “الفيل” والنابالم الحارق. ومع ذلك، استمرت المقاومة، وظل مقاتلوها الذين لم يتجاوز عددهم 1500 رجل، يواجهون قوات النظام المدعومة بآلاف الجنود والدبابات والطائرات.
دُمرت أكثر من 80% من أبنية داريا بشكل كامل أو جزئي، وسقط فيها ما يزيد عن 3000 شهيد موثقين بالأسماء، عدا عن المفقودين والمعتقلين. ورغم هذا الثمن الباهظ، لم تُعرف عن داريا أي حالة استسلام، بل خرج أهلها منها مرفوعي الرأس بعد اتفاق التهجير القسري في آب 2016، ليبقى اسمها شاهدًا على واحدة من أنقى صور المقاومة في وجه الظلم.
لقد أثبتت داريا أن الإرادة الشعبية قادرة على الصمود حتى في أحلك الظروف، وأن مدينة صغيرة محاصرة يمكن أن تُقدّم للعالم مثالًا خالدًا في التنظيم، والمقاومة، والتضحية في سبيل الحرية والكرامة.