الرئيسية / المظاهرات السلمية

المظاهرات السلمية

مدينة داريا، لم تكن مجرد مدينة عادية في خارطة الثورة السورية، بل تحولت إلى رمز حي للصمود في وجه الظلم والطغيان. منذ الأيام الأولى لانطلاق الثورة السورية عام 2011، عُرفت داريا بحراكها السلمي والتنظيم المدني الذي جسّد روح الثورة في أبهى صورها. كانت المظاهرات السلمية تعم شوارعها، رافعة شعارات الحرية والكرامة، لكن النظام واجه هذه الروح الثورية بالقمع الوحشي والاعتقالات والمجازر التي لم تستثنِ أحدًا.

ففي 15 آذار 2011، شارك عدد من شباب داريا في المظاهرة الأولى التي خرجت في دمشق أمام الجامع الأموي، حيث ارتفعت الهتافات الأولى مطالبة بالحرية وإنهاء القمع. ورغم أن قوات الأمن سارعت إلى تفريق المظاهرة واعتقال عدد من المشاركين، فقد شكّل هذا الحدث الشرارة التي دفعت الكثير من أبناء داريا للمضي في طريق الثورة السلمية.

وفي 16 آذار 2011، عاد ثوار داريا ليشاركوا في الوقفة الاحتجاجية أمام وزارة الداخلية بدمشق إلى جانب عدد من النشطاء وأهالي المعتقلين للمطالبة بإطلاق سراح السجناء السياسيين. ورغم الاعتقالات التي طالت معظم المشاركين، بقي شباب داريا ثابتين على خيار السلمية، مؤمنين بضرورة نشر الوعي الشعبي بحقوق الناس. ولم يقتصر نشاطهم على المشاركة الميدانية، بل امتد إلى العمل التوعوي، حيث قام شباب وصبايا داريا بتوزيع المنشورات في شوارع دمشق وأحيائها، موضحين أهداف الثورة ومطالبها بالحرية والعدالة وكاشفين انتهاكات النظام.

في يوم 25 آذار 2011 خرجت أول مظاهرة سلمية من قلب داريا بعد صلاة الجمعة، شارك فيها المئات من مختلف الأعمار والمهن. اجتمع الأهالي في الشوارع والساحات بوسائل بسيطة للتعبير عن تطلعاتهم للحرية. وفي 25 نيسان 2011 شهدت المدينة مظاهرة كبيرة أخرى أكدت استمرار الحراك السلمي رغم التصعيد الأمني، لتترسخ داريا كأحد أبرز ميادين الثورة السلمية.

برز في تلك المرحلة اسم الشاب غياث مطر، الذي لُقّب بـ”غاندي سوريا”، إذ اتخذ من الورود والماء وسيلة لمواجهة عناصر الأمن والجيش الذين كانوا يقتحمون شوارع داريا. كان شباب المدينة يوزعون الورود مع زجاجات المياه على الجنود، في رسالة تؤكد سلمية الثورة وتدعوهم لرفض أوامر القتل. هذا النهج السلمي الاستثنائي جعل من غياث رمزًا للثورة ليس في داريا وحدها بل في عموم سوريا. غير أن قوات الأمن اعتقلته في أيلول 2011، وبعد أيام أعادوا جثمانه إلى أهله وعليه آثار تعذيب وحشي، ليبقى استشهاده شاهدًا على إجرام النظام وعلى تمسك داريا بخيار السلمية حتى اللحظة الأخيرة.

ومع توسع المظاهرات في نيسان 2011، شنت قوات النظام حملات اعتقال واسعة استهدفت الناشطين، ورغم القمع ظلت داريا وفية لنهجها السلمي. فقد استمرت المظاهرات بمشاركة واسعة من مختلف الشرائح، رجالاً ونساءً، وكان للنساء دور محوري في الثورة، إذ شاركن في التظاهرات ونظمن حملات دعم إعلامي، كما وقفن إلى جانب عائلات المعتقلين بتقديم الطعام والمساندة، وساهمن في توثيق الانتهاكات ونشر الوعي بقضية المعتقلين.

لكن القمع الوحشي لم يتوقف، ومع مرور الوقت دفعت داريا ثمنًا باهظًا من دماء أبنائها ومعاناة أهلها، من خلال المجازر والحصار والقصف المستمر والتجويع. ومع اشتداد آلة الحرب، انتقل الحراك السلمي تدريجيًا إلى مقاومة مسلحة، فتحولت داريا من مدينة سلمية تطالب بالحرية إلى قلعة للصمود العسكري في وجه آلة الدمار.

ورغم كل ما واجهته من قصف بالبراميل المتفجرة والصواريخ والحصار الخانق، لم تنكسر داريا، بل كتبت مع كل قذيفة صفحة جديدة من النضال الثوري والتضحية في سبيل كرامة الشعب السوري. وهكذا بقيت داريا حاضرة في ذاكرة الثورة السورية، منارةً للسلمية في بدايتها، ورمزًا للصمود والتضحية في مراحلها اللاحقة.