تنظيم العمل الثوري والمجزرة الكبرى (2011-2012)
الحاجة إلى تنظيم العمل الثوري
في يونيو 2011، ومع تصاعد وتيرة الثورة السورية وشعور أهالي داريا بضرورة تنظيم الجهود الثورية والإغاثية، بدأت عملية تشكيل مجلس مدني يقود المرحلة. استمرت اللقاءات والتشاورات مع ثوار المدينة ومشايخها ووجهائها لعدة أشهر بهدف توحيد الصفوف واختيار شخصيات موثوقة قادرة على إدارة شؤون المدينة في ظل تصاعد القمع الوحشي من قبل النظام.
الإعلان عن تشكيل مجلس مدني
في سبتمبر 2011، تكللت الجهود بالإعلان عن تشكيل مجلس مدني غير معلن يعمل بسرية تامة. كان الهدف من إبقاء المجلس غير معلن هو حماية أعضائه واستمرار عمله بعيداً عن أعين النظام، خاصة في ظل تصاعد حملات الاعتقال والملاحقات الأمنية.
كان تشكيل المجلس المدني من أبرز محطات العمل الثوري في داريا، حيث انطلقت فكرته من ضرورة توحيد جهود الثوار تحت مظلة تنظيمية تعمل على تنسيق الجهود وتوحيد الصفوف بعيداً عن أعين النظام. وقد ساهمت شخصيات عدة في بناء هيكل المجلس، وكان لحضور بعض القيادات المؤثرة وشخصياتها الموثوقة أثر كبير في نجاح عمل المجلس رغم التحديات الهائلة.
شارك في تأسيس المجلس المدني الشهيد الشيخ نبيل الأحمر إلى جانب شخصيات أخرى قدمت أدواراً فعّالة في دعمه وتطوير عمله، ومنهم:
الشهيد سعيد أبو بكر، والمهندس عبد الوهاب الناموس، والكيميائي أسامة الشيخ خليل، وقد استشهدوا جميعاً تحت التعذيب.
مهام المجلس ومكانته
رغم العمل السري، نجح المجلس المدني في تأسيس عدة مكاتب أساسية لتلبية احتياجات المدينة ودعم الثورة، ومنها:
المكتب الإغاثي: لتقديم المساعدات الإنسانية على الأهالي.
المكتب الإعلامي: لتوثيق الانتهاكات والتغطية الإعلامية.
المكتب الأمني: لحماية المظاهرات السلمية في ظل غياب مؤسسات الدولة.
المكتب الطبي: لتقديم الدعم الطبي والإسعافي.
مكتب العلاقات: للتنسيق بين جميع التنظيمات الثورية
وخلال الأشهر التي تلت تأسيسه، قام المجلس المدني بأعمال كبيرة وملموسة كان لها أثر بارز في مسيرة الثورة وخدمة أهالي داريا.
نهاية المجلس المدني
استمر المجلس المدني في العمل بسرية تامة رغم التحديات الكبيرة، إلا أن حملة الاعتقالات المكثفة التي شنها النظام في 24 يناير 2012 طالت أغلب أعضائه، ما أدى عملياً إلى توقف عمل المجلس فعلياً.
تشكيل أولى مجموعات الجيش الحر
في 12 نوفمبر 2011، وقع أول هجوم مسلح في داريا على حاجز الفصول الأربعة، الذي كان يُعد مركزًا رئيسيًا للتشبيح واعتقال النشطاء وتصفيتهم. كان الحاجز مصدر رعب لأهالي المنطقة، حيث استُخدم لقمع المتظاهرين واعتقالهم بوحشية. وأبرز من شارك في هذا الهجوم الشهيد أسامة الشيخ يوسف، الذي استُشهد خلال العملية، وبقي جثمانه مع قوات النظام بعد انتهاء الاشتباك.
جاء هذا الهجوم كرد فعل مباشر على ممارسات الحاجز القمعية ضد النشطاء والمتظاهرين السلميين، وشكل نقطة تحول في مسار الثورة داخل داريا، حيث بدأ الناشطون يرون في الدفاع المسلح وسيلة لحماية أنفسهم وأهلهم من بطش النظام.
في النصف الأول من عام 2012، ومع تصاعد وتيرة القمع، بدأت مجموعات صغيرة من أبناء داريا بالتسلح بشكل منظم لحماية المتظاهرين والسكان. لم يكن الهدف الهجوم، بل كان دفاعًا عن النفس ضد الاعتقالات والانتهاكات المتزايدة. ومع تزايد الانشقاقات في صفوف جيش النظام وانضمام الضباط والجنود المنشقين إلى الثورة، تم تشكيل الجيش السوري الحر، الذي اقتصر نشاطه في بداياته على الدفاع عن الأحياء السكنية وحماية المدنيين من الاعتداءات، مؤكدين أن السلاح لم يكن خيارهم الأول، بل فرضته الظروف القمعية التي واجهتهم.
تحول الحراك في داريا إلى العمل المسلح
1. التصعيد الأمني والقمع العنيف (أوائل 2012):
– شهدت داريا تصعيدًا ملحوظًا في القمع الأمني خلال الأشهر الأولى من عام 2012، حيث ازدادت حالات الاعتقال والتصفية الميدانية للمشاركين في الحراك السلمي.
– تعرضت المظاهرات في المدينة لإطلاق نار مباشر من قبل قوات الأمن والشبيحة، مما أسفر عن سقوط العديد من الشهداء والجرحى.
2. تصاعد المواجهات العسكرية (صيف 2012):
– بحلول يونيو ويوليو 2012، تصاعدت المواجهات العسكرية في المدينة مع بدء قوات النظام بشن حملات عسكرية واسعة على الأحياء السكنية.
– أسس الثوار تحصينات في مناطقهم، معتمدين على الأسلحة الخفيفة التي كانت تُهرب بطرق غير رسمية إلى المدينة.
3. الاقتحام العسكري والمجزرة (أغسطس 2012):
– في 20 أغسطس 2012، فرضت قوات النظام حصارًا خانقًا على داريا واشترطت انسحاب المقاتلين منها لإيقاف الحملة العسكرية.
– بعد انسحاب عدد من المقاتلين التزامًا بالشروط، اقتحمت قوات النظام المدينة واستباحت كل شيء فيها.
– في 25 أغسطس 2012، ارتكبت قوات النظام مجزرة داريا الكبرى التي راح ضحيتها أكثر من 700 شهيد، بينهم عائلات كاملة أُعدمت ميدانيًا في مناطق مختلفة من المدينة، أبرزها عائلة النكاس والدباس الذين قُتلوا بالكامل في منطقة جامع أبو سليمان الداراني.
– ناهيك عن العدد الكبير من المعتقلين الذين تم اقتيادهم إلى الأفرع الأمنية، وقضوا تحت التعذيب في سجون النظام، مما يزيد من معاناة أهالي المدينة ويفاقم جراحها.
– أصبحت المجزرة رمزًا لوحشية النظام وانتهاكاته الجسيمة ضد المدنيين.
4. مرحلة العمل العسكري المنظم (أواخر 2012):
– بعد المجزرة، أصبحت داريا مركزًا للمقاومة المسلحة المنظمة.
– تمكن الثوار من الصمود أمام محاولات قوات النظام المتكررة للسيطرة على المدينة، معتمدين على خبراتهم المكتسبة في الدفاع عن الأحياء.
مجزرة داريا الكبرى (أغسطس 2012)
في 20 أغسطس 2012، بدأت قوات النظام السوري حملة عسكرية شرسة على مدينة داريا، تزامنت مع ثاني أيام عيد الفطر. شملت الحملة حصارًا محكمًا للمدينة، حيث أغلقت الجرافات جميع مداخلها ومخارجها، وقطعت الكهرباء والاتصالات، مما أدى إلى عزلها تمامًا عن العالم الخارجي.
استمر الحصار لمدة سبعة أيام، تعرضت خلالها داريا لقصف مكثف بمختلف أنواع الأسلحة الثقيلة، بما في ذلك المدفعية وراجمات الصواريخ، بالإضافة إلى غارات جوية نفذتها الطائرات الحربية. استهدف القصف الأحياء السكنية والمستشفيات الميدانية، مما أسفر عن سقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين.
في 24 أغسطس 2012، اقتحمت قوات النظام المدينة من عدة محاور، مدعومة بمليشيات موالية، وارتكبت مجازر مروعة بحق السكان. نفذت القوات عمليات إعدام ميدانية بحق عائلات بأكملها، دون تمييز بين رجل وامرأة وطفل. تم العثور على جثث في المساجد والمنازل والشوارع، وبعضها تعرض للحرق بهدف طمس الهوية.
بلغ عدد الضحايا خلال هذه المجزرة أكثر من 700 مدني، بينهم نساء وأطفال، بالإضافة إلى اعتقال المئات وجرح أكثر من 1500 شخص. وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أسماء 524 من الشهداء.
هدفت هذه المجزرة إلى بث الرعب في نفوس أهالي داريا وكسر إرادتهم، لكنها على العكس من ذلك، زادت من صمودهم وأكدت إصرارهم على مواصلة النضال في وجه الظلم.
لمزيد عن تفاصيل مجزرة داريا الكبرى اضغط هنا
في الصفحة التالية المرحلة الثالثة: الحصار والصمود (2012-2016)