الرئيسية / أبرز أحداث ومراحل الثورة

أبرز أحداث ومراحل الثورة

الحصار والصمود (2012-2016)

في أواخر عام 2012، فرض النظام السوري حصارًا خانقًا على مدينة داريا، كان من أكثر الحصارات قسوة في تاريخ الثورة السورية. منع النظام دخول الغذاء والدواء بشكل كامل، وقطع كافة الإمدادات الأساسية عن المدينة، مما جعل الحياة فيها شبه مستحيلة. هذا الحصار، الذي استمر لأربع سنوات، حوّل حياة السكان إلى جحيم يومي، حيث عاشوا في ظروف إنسانية شديدة القسوة. لم يجد الأهالي بُدًا من الاعتماد على زراعة الأراضي الصغيرة المتبقية داخل المدينة للحصول على قوتهم اليومي، في محاولة يائسة للبقاء على قيد الحياة.

تأسيس المجلس المحلي لداريا

بعد المجزرة المروعة التي ارتكبها النظام في داريا في أغسطس 2012، والتي راح ضحيتها مئات المدنيين، أدرك أهالي المدينة والثوار ضرورة تنظيم الجهود لإدارة ما تبقى من الحياة داخل المدينة المحاصرة. وفي 17 أكتوبر 2012، تم تأسيس المجلس المحلي لداريا كخطوة جريئة لتوحيد الجهود وتنظيم شؤون المدينة في ظل الظروف القاسية.

جاء هذا المجلس ليكون مظلة تجمع المكاتب الثورية المختلفة، مثل المكاتب الإغاثية والطبية والإعلامية والعسكرية، بالإضافة إلى إنشاء مكتب مالي لإدارة الموارد. كان المجلس يمثل نموذجًا للتنظيم المدني المقاوم، إذ استطاع أن يعكس إرادة أهالي داريا في الصمود والبقاء، رغم الحصار والقصف المستمر. استمر المجلس في أداء دوره الحيوي حتى نوفمبر 2016، حيث انتهت أعماله مع التهجير القسري لسكان المدينة بعد حملة عسكرية شديدة من قبل النظام وحلفائه.

ثوار داريا: قصة صمود في وجه الحصار والدمار

عاشت داريا حصارًا خانقًا من عام 2012 حتى 2016، حيث كانت الفصائل الثورية خط الدفاع الأول عن المدينة في وجه قوات النظام والميليشيات الموالية له. لم تكن هذه الفصائل مجرد مجموعات مسلحة، بل كانت من أبناء المدينة نفسها، شباب فقدوا أهلهم وأصدقاءهم في المجازر التي ارتُكبت بحقهم، وقرروا الدفاع عن داريا بكل ما يملكون من قوة وإيمان.

برز لواء شهداء الإسلام كأهم فصيل في مقاومة الحصار، حيث أصبح العمود الفقري للمقاومة في داريا، وقاد المعارك ضد قوات الأسد طوال سنوات الحصار. إلى جانبه، شاركت فصائل أخرى مثل الاتحاد الإسلامي لأجناد الشام، لواء المقداد بن عمرو، كتائب الصحابة، وكتائب ثوار داريا. ورغم تعدد الفصائل، كان هناك تنسيق مشترك بينهم جميعًا، حيث وحدوا صفوفهم في مواجهة القصف والحصار القاسي الذي فرضه النظام.

أبرز الضباط الذين قتلوا في معركة داريا
نجح الثوار في التصدي لمحاولات النظام المتكررة لاقتحام المدينة، ما أسفر عن سقوط عدد من الضباط البارزين في صفوف قوات الأسد، ومن بينهم:

اللواء سمير إبراهيم الشيخ – قتل خلال المعارك في داريا.
العميد الركن ياسين يونس إبراهيم – من مرتبات الحرس الجمهوري، قُتل أثناء الاشتباكات في محاولات النظام الفاشلة للسيطرة على المدينة.
ملحمة الصمود حتى النهاية.

كانت تلك السنوات مليئة بالتحديات، ومع كل قصف وحصار، ازداد الإصرار على الصمود. ورغم قلة الإمكانيات وشحّ الموارد، ظل مقاتلو داريا وأهلها رمزًا للثبات في وجه الظلم، مؤمنين بعدالة قضيتهم ومستمرين في الدفاع عن مدينتهم حتى النهاية.

استمر الثوار في الدفاع عن داريا رغم الحصار الخانق والقصف المتواصل، وتمكنوا من الصمود لسنوات، في واحدة من أطول معارك الاستنزاف التي شهدتها الثورة السورية. قاوم مقاتلو داريا بعتاد متواضع جحافل قوات الأسد المدعومة بالطيران الحربي والميليشيات الأجنبية، ملحقين بها خسائر ميدانية كبيرة، قبل أن تفرض التسويات القسرية التي أنهت وجودهم في المدينة بعد سنوات من المقاومة البطولية.

لم تكن معركة داريا مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت درسًا في الصمود والتضحية، حيث حملت داريا راية الثورة حتى آخر لحظة، وظلت مثالًا حيًا لإرادة السوريين في السعي نحو الحرية والكرامة رغم كل التحديات.

 

القصف المستمر

لم يكن الحصار وحده أداة النظام لإرغام أهل داريا على الاستسلام؛ فقد تعرضت المدينة لقصف يومي وحشي بجميع أنواع الأسلحة. كان البراميل المتفجرة السلاح الأكثر استخدامًا، حيث سقطت على أحياء المدينة بشكل يومي، مخلفة دمارًا واسعًا وخرابًا كبيرًا في البنية التحتية. لم تترك الحملة العسكرية على داريا أي مكان آمن للسكان، إذ كان القصف يستهدف البيوت، المستشفيات، والمساجد على حد سواء. كانت هذه الهجمات الوحشية تهدف إلى إركاع المدينة وإجبار أهلها على الرحيل.

قصف داريا بالغازات السامة

في إحدى ليالي عام 2013، وبينما كانت داريا ترزح تحت حصارٍ خانق وقصفٍ متواصل من قوات نظام الأسد، سُجّل استخدام لذخائر يُشتبه بأنها تحمل غازاتٍ سامة. بعد سقوط عدة قذائف على أطراف المدينة، انتشرت رائحة خانقة غير مألوفة، وخلال دقائق ظهرت على السكّان أعراضٌ تنفّسية حادّة تمثّلت في اختناقٍ شديد وضيقٍ في التنفّس وحرقةٍ في العينين والحنجرة، وتعرّض بعض المصابين لتشنّجات وفقدانٍ للوعي.

في ذلك الوقت كانت الإمكانات الطبية محدودة؛ إذ افتقدت النقاط الطبية والمستشفيات الميدانية لمستلزمات الوقاية والكمّامات والأدوية اللازمة، وهو ما قيّد قدرة الفرق الطبية على الاستجابة لتزايد الحالات وترك الكوادر في مواجهة طارئ بإمكانات وخبرات محدودة.

وأفادت رواياتٌ ميدانية بأن آثار الغازات طالت كذلك بعض نقاط تمركز القوات نظام الأسد المحيطة بالمدينة، ما تسبّب بحالات اختناقٍ وإصاباتٍ في صفوفها. وأعقب ذلك توقّف هذا النوع من القصف لاحقًا، ويُرجَّح أن امتداد تأثير الغازات إلى تلك النقاط كان سببًا مباشرًا في ذلك التوقّف

الإبداع في مواجهة الحصار

ورغم القصف والجوع والتشريد، لم يستسلم أهالي داريا للظروف القاسية. أظهر السكان إبداعًا مذهلًا في التكيف مع الحصار، حيث لجأوا إلى زراعة الأراضي الصغيرة بين الأبنية المدمرة لتأمين قوتهم اليومي. كانوا يتقاسمون القليل الذي يملكونه من طعام وموارد، محاولين الحفاظ على نسيجهم الاجتماعي في وجه المأساة.

ولم يغفل أهل داريا أهمية التعليم، حتى في أحلك الظروف. أنشأوا مدارس بسيطة في أقبية المنازل لحماية الأطفال من القصف، وحرصوا على تعليمهم رغم كل المخاطر. كما أنشأوا ورشًا صغيرة لإصلاح المعدات الزراعية وتصنيع الأدوات الأساسية التي يحتاجونها. كانت هذه الجهود تعبيرًا عن إرادة لا تقهر في مواجهة الظلم والجوع.

كانت داريا خلال سنوات الحصار رمزًا للصمود والتحدي في وجه الطغيان. أثبت سكانها أن إرادة الحياة يمكن أن تنتصر على القمع، وأن الأمل يمكن أن يولد حتى من تحت الأنقاض. إن قصة داريا ليست مجرد صفحة في تاريخ الثورة السورية، بل درسًا خالدًا في النضال من أجل الكرامة والحرية.

 

في الصفحة التالية المرحلة الرابعة: إخلاء داريا (2016)